الأربعاء 02/أبريل/2025 - 04:59 م 4/2/2025 4:59:49 PM
أعود فأقترح في سياق مناقشة ملف الدراما التليفزيونية أن نتوقف عن إعادة تقديم تلك الأعمال الدرامية التي تعيد إنتاج أعمال سبق تقديمها من قبل سينمائيا مثلا ثم تحويلها لمسلسلات تليفزيونية، ففي ظني أن هذا نوع من الإفلاس الإبداعي، وأن هذه الأعمال يتم إعادة إنتاجها إما لفقر فكر بعض كتاب السيناريو وعجزهم عن إبداع فكرة جديدة أو لتكاسلهم وعدم سعيهم للبحث عن نص أدبي يقومون بمعالجته دراميا وتحويله إلى نص درامي. كما أن هذه النوعية من المسلسلات تنتج غالبا إرضاء لنجمة العمل التي ترى نفسها أكفأ من نجمات رحلن وأجدن في تشخيص الدور، فهي ترى أن قيامها بنفس الدور تليفزيونيا سيرضي نهمها الفني ويؤكد موهبتها وتفوقها على أساتذة الزمن الجميل !! والنتائج للأسف تكون كارثية في معظم الحالات.
في حين يتدخل كاتب سيناريو النسخة المتلفزة الجديدة للعمل بإقحام بعض المحاور الدرامية حتى يخرج من معضلة التكرار، فيولد العمل الفني الجديد عملا باهتا بلا هوية فهو تائه بين رؤية المبدعين الأصليين وتصور الصناع الجدد، والمُشاهد هو الخاسر في النهاية إذ تتشتت المواقف تجاه العمل قديمه وجديده فيخسر القديم قيمته، ونخسر بالجديد فرصة استثمار جهد ومصاريف إنتاج كان يمكن ضخها لإنتاج عمل أحدث وأكثر ارتباطا بقضايانا المعاصرة.
قد يرى البعض في هذه المقترحات - المطروحة في مقالنا السابق وفي هذا المقال- تقييدا للإبداع، في حين أرى أنها سبيل لضبط انفلات أو شخصنة أو هوى بعض صناع الدراما الذين اعتبروا بمجرد اختيارهم للمسلسل تأليفا أو إخراجا أو تشخيصا للأدوار، أن العمل صار حقا مطلقا لهم وأن يتم حسابهم بعد إنجاز العمل ! طبعا، يبقى الحساب في تلك الحالة عُرضة للتوجيه من خلال الذباب الإلكتروني ولجان السوشيال ميديا و غيرها، فتضيع الموضوعية وتنتهي معظم الجرائم الدرامية إلى الحفظ أو النسيان أو التجاهل المتعمد. ليبقى الخاسر الحقيقي في نهاية الأمر هو القيم المجتمعية التي يتم انتهاكها في المشاهد أو في السياق العام للعمل الدرامي.
ثم دعوني أكثر جرأة في طرح المقترحات، فماذا مثلا لو خصصنا الموسم الدرامي القادم لأعمال مأخوذة عن نصوص أدبية ؟ لتكون خطوة مأمونة النتائج إلى أن تتهيأ الأمور ونعيد النظر بدراسة كل المقترحات المطروحة لتحسين المناخ الإنتاجي للدراما . ومن يدري فقد يكون هذا المقترح في حد ذاته هو العلاج الذي نبحث عنه منذ سنوات لأزمة الدراما بينما هو متاح بين أيادينا.
وتأكيدا لهذا أرجو أن نراجع تراثنا السينمائي الزاخر سنجد أن أنجح أعمالنا التي صارت من كلاسيكيات السينما العربية هي أعمال مأخوذة عن نصوص أدبية وقد لا يتسع المجال لسرد القائمة بالكامل، لكن يبقى أن نُذكّر بأسماء عمالقة الأدب الذين كانت أعمالهم منجما يأخذ منه صناع السينما ليقدموا أنجح الأفلام، والقائمة تمتد بدءا بأديب نوبل نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس أصحاب النصيب الأكبر في التراث السينمائي المصري. أضف إليهما أسماء الأدباء يوسف إدريس، يحيى حقي، طه حسين، توفيق الحكيم، إبراهيم أصلان ومؤخرا تم إنتاج بعض الأعمال المأخوذة عن نصوص أدبية للراحل أحمد خالد توفيق والكاتب أحمد مراد.
على أرفف مكتباتنا أيها السادة كنوز روائية وقصصية حقيقية أصبحنا اليوم في حاجة ماسة لتحويلها إلى أعمال فنية سينمائية وتليفزيونية لإقالة المنتج الفني من عثرته التي سبّبها ضعف النصوص، وضعف بل غياب خيال كثير من مؤلفي الدراما. ذلك هو الحل أيضا لمعالجة قضية أكبر هي عدم إقبال أجيالنا الحالية على القراءة، فالحل الأمثل لهذا هو أن نذهب نحن بتلك النصوص الأدبية الراقية إلى المربع الذي يحسن المصريون تلقيه ومتابعته وهو الدراما.