خليج نيوز

قرية البتران: إرث الحرب العراقية الإيرانية القاتل - خليج نيوز

في الجنوب العراقي، حيث تلتقي الحدود العراقية الإيرانية، تتوارى قرية البتران خلف ستارٍ من الألم والمعاناة. قرية حملت اسمها من مأساة مستمرة، حيث فقد العشرات من سكانها أطرافهم في صراعهم مع بقايا حرب انتهت منذ عقود، لكنها لم ترحل عن هذه الأرض. هذه القرية ليست فقط شاهدة على الحرب العراقية الإيرانية، بل هي ساحة مفتوحة للموت القابع تحت التراب، حيث الألغام والمخلفات الحربية تهدد كل خطوة، تاركة السكان أمام خيارين: الفقر المدقع أو المخاطرة بالحياة.

 قرية البتران: إرث الحرب الذي لم ينتهِ

وفقًا لتقارير إعلامية، فقد أكثر من ألف شخص في البتران أطرافهم بسبب الألغام، مما يجعلها واحدة من أخطر المناطق في العراق. كانت المنطقة في السابق مغطاة بالبساتين والمزارع، لكنها تحولت إلى أرضٍ مهجورة بعد أن زرعت فيها الألغام خلال الحرب العراقية الإيرانية. لم تجرَ أي عمليات تطهير شاملة، إلى هذه اللحظة حيث لا تزال الألغام تنفجر هنا وهناك.  ولم تقدم السلطات أي حلول ملموسة، ليبقى الموت كامنًا تحت الأرض.

يقول أبو علي، أحد سكان القرية الذي فقد قدمه بسبب لغم: “بعد الحرب عدنا إلى منازلنا، لكننا وجدنا الألغام منتشرة في كل مكان. هناك من فقد أطرافه وهناك من لقي حتفه. نحن مزارعون ومربو مواشٍ، لكن هذا الخير كله ذهب بسبب انتشار الألغام”. لم يكن أمام السكان سوى التأقلم مع الواقع، وإن كان الثمن فقدان أطرافهم أو حياتهم.

مهنة الموت: البحث عن الخردة في حقول الموت

أبو علي في قرية البتران يقلب أحد بقايا الحرب.

في البتران، لا يُعتبر جمع الخردة عملاً عادياً، بل مغامرة يومية بين الحياة والموت. يعتمد كثيرون على استخراج المعادن من بقايا المتفجرات، لكن هذه العملية محفوفة بالمخاطر، حيث يُفتح اللغم بطرق بدائية مثل الضرب بالأرض أو تسخينه حتى ينفجر.

يروي أبو علي قصته: “الكثير من الناس ماتوا بسبب الألغام. بعضهم تعرض للبتر لكنه لم ينجُ بسبب النزف الحاد وارتفاع درجات الحرارة التي تسرّع الموت”. لم يكن أبو علي محظوظًا، لكنه على الأقل نجا بحياته، رغم أنه فقد قدمه وترك خلفه  حياته الطبيعية.

قصص البقاء في أرضٍ مميتة

كرار حيدر غازي: الراعي الذي فقد ساقه

كرار شابٌ يعمل راعياً للغنم، لكن حياته انقلبت رأسًا على عقب عام 2023، عندما انفجر به لغم أثناء عودته إلى منزله ليلاً. يتذكر اللحظة القاسية قائلاً: “شعرت بشيءٍ ينفجر تحت قدمي، لم أشعر بالألم في البداية بسبب حرارة الدم، لكن عندما نظرت إلى ساقي، رأيتها ممزقة تمامًا. لم يكن بوسعي سوى الصراخ”.

كرار، الذي كان متزوجًا ولديه طفل،  كان يصرخ باسم ابنه في تلك اللحظة لأنه ظن أنه سيموت. وجد نفسه عاجزًا عن الوصول إلى المساعدة بسبب انعدام التغطية الهاتفية في المنطقة. زحف نحو دراجته، التي كانت على بعد خمسين متراً، وحاول تشغيلها رغم إصابته الشديدة. “وضعت عظم قدمي المبتورة على الأرض وشغلت الدراجة، قطعت ثلاثة كيلومترات حتى وجدت أشخاصًا ساعدوني في الوصول إلى المستشفى”، يروي كرار.

كرار أثناء رعي الغنم ، فبراير 2024.

لكن الصدمة لم تتوقف عند فقدانه لساقه. “عندما استيقظت صباحًا، وجدت أن الأطباء قد بتروا جزءًا أكبر من ساقي. كنت أتألم، لكن أكثر ما فكرت فيه هو ابني الصغير، كيف سأربيه وأنا عاجز؟”.

يضيف كرار، وهو ينظر إلى قدمه الصناعية بحزن: “كنت أحب لعب كرة القدم، كنت أعيش حياة طبيعية، أعمل وأعيل أسرتي. الآن، كل شيء انتهى. أشعر بالحزن عندما أرى الشباب يلعبون، أحيانًا أبكي، لأنني كنت مثلهم”.

طالب حسين: بين الفقر والمخاطرة بالحياة

طالب حسين هو أحد ضحايا الألغام، لكنه لم يتوقف عن العمل رغم بتر ساقه. حياته تعتمد على جمع المخلفات المعدنية من بقايا الحرب، رغم معرفته أن أي خطأ قد يكون الأخير.

“نعلم أن هذه الأرض مليئة بالألغام، لكن ليس لدينا خيار آخر. في عام 2015، خرجت أنا وابن عمي للبحث عن النحاس والألومنيوم، وفجأة انفجر لغم تحت قدمي. رأيت الدخان والغبار يملآن المكان، ولم أدرك في البداية أن ساقي قد بُترت”، يروي طالب.

طلب حسين قرب أحد المواقع المزروعة بها الألغام.

بعد الحادثة، حمله ابن عمه إلى المستشفى، حيث فقد ساقه بالكامل. لكنه لم يحصل على أي دعم حكومي، واضطر بعد سنتين إلى العودة لنفس العمل الخطير. “حياتي تعتمد على هذا العمل. لو كان لدي خيار آخر لما خاطرت بحياتي، لكن لا يوجد شيء آخر أفعله”.

يصف طالب المعاناة قائلاً: “عندما تنظر إلى قدمك وترى الفراغ، تشعر وكأن شيئًا منك قد سُرق. حتى بعد كل هذه السنوات، لا أستطيع التعود على الأمر. عندما أسير على الأرض، لا أشعر بأنني كامل”.

طارق الموسوي: الناشط البيئي الذي يوثق الكارثة

طارق الموسوي، ناشط بيئي، يتابع تأثير الألغام على الأرض والسكان. يوضح قائلاً: “هذه ليست مجرد قضية أمنية، إنها كارثة بيئية. الألغام ليست فقط تهديدًا للبشر، بل تدمر النظام البيئي بأكمله”.

التربة في البتران ملوثة بمواد كيميائية خطيرة من بقايا المتفجرات، ما جعل الزراعة مستحيلة. المزارعون فقدوا مصادر رزقهم، والمياه الجوفية أصبحت ملوثة. بعض العائلات غادرت المنطقة، لكن الفقر أجبر معظمهم على البقاء في هذه البيئة الخطرة.

يضيف طارق بحزن: “رأينا كيف فقد السكان مصادر رزقهم… لم يعد بإمكانهم زراعة الحقول، ولم يعد بإمكانهم تربية المواشي بأمان. البعض اضطر للانتقال إلى مناطق أخرى، لكن الأغلبية لا تملك خيارًا سوى البقاء”.

ويواصل: “لقد تحسنت الأوضاع في السنوات الأخيرة حيث تم رصد بعض التعويضات لمبتوري الأرجل.” ولكن المعنيين يرون أن لا شيء يستطيع أن يعوضهم عن فقد أطرافهم.

هل هناك أمل؟

رغم هذه المأساة، فإن جهود إزالة الألغام لا تزال بطيئة. العراق وإيران مسؤولتان عن تطهير هذه الأراضي، لكن عمليات الإزالة لم تكن كافية لحماية السكان. وحتى مع وجود بعض المبادرات في السنوات الأخيرة، تبقى الحاجة إلى جهود أكبر لإنقاذ هذه الأرض وإعادة الحياة إلى قرية البتران.

في النهاية، تظل البتران رمزًا للحرب التي لم تنتهِ بعد، حيث يدفع الفقراء ثمن صراعات لم يكونوا جزءًا منها. وحتى يأتي اليوم الذي تُنظف فيه الأرض بالكامل، ستبقى خطوات السكان محفوفة بالخطر، وسيظل الموت مختبئًا تحت التراب.

أخبار متعلقة :